بكلمات حزينة تقطع القلوب المكلومة التي تألمت على استشهاد الطفل إيلول الذي جرفته السيول مخلفة آلم عم مدينة تعز
رثاءه والده عيبان السامعي في ذكرى عيد ميلاده الذي حل هذا العام بدون أيلول
وبهذه الكلمات الحزينة رثاه فماذا قال ؟؟
ولدي أيلول، يا مهجة قلبي، وفلذة كبدي، وروح روحي..
هاهو ذا عيد ميلادك الـ 12 قد أقبل، وأنت لستَ بيننا، كما كنتَ في كل عام.
نفتقدك.. نفتقد ابتسامتك الساحرة التي تزيل الهمّ والكدر..
نفتقد ضحكاتك الفرائحية التي كانت تملأ أرجاء المنزل..
ولدتَ في فصل الربيع، وكنتَ ربيع حياتنا، وبهجة عمرنا، وجمال أيامنا.
أيلولي.. يا ثمرة فؤادي، وضوء عيوني.. لو تعلم مرارة الفقد، ووطأة الألم الذي يجثم على صدري مثل جبل صخري..
لو تعلم حجم القهر الذي ينهش روحي، والحزن الذي يملأ كياني..!
آآآه يا نبض قلبي.. لو أبكيكَ بقية العمر لما وفيتُ حقك.. ولكن ما فائدة البكاء بعد الآن؟! بل ما قيمة الحياة بعدك يا صغيري!
أدرك أنك الآن تتوجع لوجعنا.. وتريد منا أن نكفّ عن البكاء والنحيب.. فهذا قضاء الله الذي لا يُرد..
كنتَ أمانة الله التي استودعها عندنا، ثم استردها.. ولا نملك سوى أن نحمده تعالى في كل حال.
“ليو” .. هذا هو الاسم الذي كانت ماما تناديك به.. وكنت تحبها بجنون..
يا بهجة العمر، وسعادة الأيام.. أنتَ لم تمت.. بل ارتقيتَ إلى مقامٍ أعلى، وحياةٍ أسمى..
رحيلك الفاجع والمفاجئ قد أبكى تعز بأسرها.. وصرتَ رمز المدينة الذي يُلخّص معاناتها..!
لم تكن طفلاً عادياً.. لا أحد يشبهك في نقاوة قلبك.. ولا في برائتك الطفولية، ولا في طيبتك.. ولا في حنيتك.. ولا في خلقك القويم..
ولأنك كذلك فقد اصطفاك الله، واختارك إلى جواره، وهو خير جوار …
أراك الآن عصفوراً جميلاً في الجنّة.. تحفُّ بك الملائكة.. ويغشاك نور الرحمة.. ويستقبلك الله بوجهه الكريم..
كنتَ يا حبيبي طفلاً استثنائياً بكل ما تحمله الكلمة من معنى..
كنت عاشقاً للكتب.. شغوفاً بالقراءة..
كنتُ اشتري لك قصص الأطفال، فتفاجئني بعد أيامٍ قليلةٍ أنك قد قرأتها كلها.. وتطلب مني المزيد.. وألبّي طلبك بحبٍ ، لأنّ ذلك كان يبهجني، ويغمر قلبي بالفرح والسعادة..
كنتُ أرى فيك ذاتي.. كنتَ تشبهني كثيراً.. وتشاركني شغف القراءة والكتب والتأملات والأحاديث الشيّقة..
لم تكن طفلاً عادياً.. ولطالما كان الكثيرون ممن يعرفونك يقولون لي بأنك تمتلك عقلاً راجحاً وكبيراً يسبق عمرك بكثير…
منذ رحيلك إلى عالم الخلد.. لم يبارحني طيفك لحظةً واحدة..
أراك في كل شيء من حولي.. في الوجوه.. وفي الطرقات.. وفي تفاصيل الحياة اليومية..
وصوتك لا يزال يرنّ في أذني، ويهيّج فؤادي..
حتى هذه اللحظة لا أصدق بأنك رحلتَ عنا بعيداً..!
لا أصدق بأني لن أتمكن من رؤيتك مرةً أخرى..!
لازلتُ أنتظرك تُقبِل عليَّ بابتسامتك الساحرة..
لازلتُ أنتظرك أن تأتي إليَّ مسرعاً، كما هي عادتك دائماً.. تقفز إلى صدري.. تطوّق عنقي بذراعيك.. وتعانقني بحرارة.. ثم تُقبِّل وجنتيَّ..
مرَّ أسبوع على فراقك يا قلبي.. لكنه كان بمثابة دهر من الحسرة والألم..
عشتُ لحظات قاسية وعصيبة زلزلتْ كياني، وحطمتْ فؤادي..
اللحظة الأولى.. حين بلغني أنك “مريض بسبب المطر”، كان ذلك في الساعة 2 والنصف بعد الظهيرة..
كنتُ حينها في العمل.. انطلقتُ من فوري والقلق يستبد بي، ثم ما إن وصلتُ إلى جوار المنزل، رأيتُ الناس متجمعين في المكان، فتحوَّل القلق إلى رعب حقيقي،
ثم انهالت الصاعقة التي شجَّت رأسي، وقصمت جسدي وروحي، عندما قيل لي إن السيل قد أخذك، وأنك مفقود..!
شعرتُ حينها بأنّ الأرض تميد بي، وأنّ السماء قد جثمتْ على صدري..
انهرتُ..
أحسستُ بأنّ أقدامي لم تعد تقوى على حملي..
شعرتُ وكأنّ سكاكين تمزّق قلبي..
بكيتُ بمرارة..
صرختُ كأمٍّ ثكلى..
فقدتُ وعيي بمن حولي..
أُسعفت إلى المستشفى، وأنا وجدك محمد الذي يحبك بجنون، والذي لم يكن بحالٍ أفضل مني…
ثم جاءت الساعات العصيبة والقاسية.. ثمانية عشر ساعة من الانتظار القاتل.. كان الجميع يبحث عنك..
خرجتْ تعز تبحث عنك.. تبحث عن طفلها المفقود.. وفي الحقيقة كانت تبحث عن ذاتها الموجوعة.. ولكن لا أمل في العثور عليك..!
حتى جاء الخبر الفاجعة.. خبر العثور عليك جثةً هامدة، قرب سد العامرية، وقد سحبك السيل لمسافة 18 كيلو متر..!
يا لها من فاجعة أليمة وشديدة القسوة..!
عندما وصلني خبر رحيلك.. شعرتُ لحظتها بالتبلُّد..
تجمّدت مشاعري.. لدقائق معدودة.. لم استطع أن أقوم بأيّ ردة فعل..!
تسمّرتُ تماماً..
وكأنّي بلا حياة..
بلا روح..
ثم…
انفجرت بالبكاء..
بكيتُ.. بكيتُ حتى كادت أنفاسي تختنق..
أما اللحظة الأشد قسوة، والأكثر مرارةً، فكانت عندما استقبلتُ جثمانك المُسجّى داخل سيارة الهلال الأحمر في المنفذ الشرقي للمدينة..
غرزتُ رأسي في اللحاف الذي كان يغطي جسدك الطاهر..
كنتُ – لحظتها – أبحثُ عن دفءٍٍ أخير..!
كنتُ – حينها – أتمنى أن تأخذني معك..!
أن أنام مثل نومتك الأبدية.. ولا استيقظ بعدها أبداً..!
ثم كانت اللحظة القاسية الرابعة، التي لا تقل قساوةً عن سابقاتها..
حين ألقيتُ عليك نظرة الوداع الأخير..!
حين رأيتُ وجهك الملائكي للمرة الأخيرة..!
صرختُ من أعماق أعماقي:
آآآه يا ابني!
شعرتُ وكأنّ صراخي يشقُّ الآفاق، ويخترق السماء، وكأنّ الكون كله يرتجّ من هول صرخاتي المقهورة..
يا أيلولي..
يا ضوء عيوني..
ومهجة فؤادي..
أنت لم تمتْ.. فمثلك لا يموت..
أنت شهيد.. أنت حيٌّ في أعلى عليين..
“في مقعد صدقٍ عند مليكٍٍ مقتدر”.. ويا له من فوز عظيم..!
سيبقى اسمك محفوراً في عقولنا.. وقلوبنا.. وأرواحنا.. وستبقى ذكراك خالدةٌ فينا..
قبلاتي يا صغيري.. يا نبض قلبي.. وروح روحي..
والدك المكلوم/ عيبان
16 أبريل 2026



احدث التعليقات