منصة369-ثقافة
في حافة الشريف بعدن، كان يعيش رجل نحيف يحمل عوداً وقلباً مليان شجن. اسمه سالم بامدهف.. واحد من الناس اللي لما تسمع “قولوا له تغيبت يا ناظري” تعرف أن عدن لسه بخير.
اتولد سالم في المكلا 12 ديسمبر 1933، لكن عدن خطفته. من صغره وهو لاصق بالجرامافون، يسمع الاسطوانات لما تخلص الإبرة. قال في لقاء نادر لصحيفة “البعث” سنة 1955: “كبرت وأنا أحفظ الألحان من آلة التسجيل”. علّمه النوتة الأستاذ يحيى مكي، ولو كانت الدروس قصيرة.. بس الموهبة كانت أطول من عمره.
سالم ما كان فنان وبس. التحق بالوظيفة الحكومية 10 يناير 1956 كمشغل لمعدات الترجمة الفورية في المجلس التشريعي، وبعدها انتقل لإذاعة وتلفزيون عدن. يعني الرجل كان يجمع بين الدقة الوظيفية وجنون الفن.
رصيد بامدهف 15 أغنية وقطعتين موسيقيتين صامتتين “عواطف وأشواق”. أول لحن له “يا زين المحيا” وآخر ألحانه وقتها “عرائس اللحن”. لكن الناس لليوم تردد: “مين علمك” و “حبيتك” و “يا غايب عن عيني”.
بامدهف ما جاب ألحانه من كتب. جابها من الشارع العدني.. من كلمة الناس في السوق، من إيقاع الموج في صيرة، ومن الطقوس الصوفية في زوايا عدن. لحنه كان “ابن بيئته” عشان كذا دخل كل بيت.
قليل من يعرف أن سالم بامدهف كان من أهم مؤسسي رابطة الموسيقى العدنية عام 1951. ومع نهاية 1948 شارك في تأسيس ندوة الموسيقى العدنية برئاسة خليل محمد خليل، وكانوا يتعلموا النوتة على يد محمد سعد الصنعاني. معاه كانوا عمالقة: علي سالم علي، عبدالله بلال، وديع سالم حميدان.
تزوج من أسرة بامخرمة المعروفة في جيبوتي، وأنجب علي ومريم وسالم وقدرية. عاش في حافة الشريف.. والحارة كلها كانت تسمع عوده بالليل.
لأن بامدهف ما كان ملحن عادي. كان مهندس الهوية الموسيقية لعدن. أغانيه بالفصيح “راقية الشكل والمضمون” فيها وثبات مقامية ومساحات موسيقية رحبة. لحنه فيه “فذاذة ورشاقة ورهافة” زي ما قالوا عنه.سالم بامدهف مات.. بس عوده لسه يبكي في تسجيلات إذاعة عدن.
اسمعوه.. عشان تعرفوا عدن كانت كيف.





