تشكل العلاقات الأمريكية الإيرانية واحدة من أكثر العلاقات الدولية تعقيداً وتشابكاََ، حيث تمتد جذور التوتر بين البلدين إلى أكثر من اربعة عقود، وتحديداََ منذ الثورة الإسلامية في إيران عام 1979. ورغم هذا التاريخ الطويل من القطيعة انطلقت عام 2025 ولا تزال مستمرة حتى فبراير 2026.في هذا المقال سنحاول استعراض تاريخ هذه المفاوضات وتحليل ديناميكياتها الحالية وأبعادها المختلفة.
مسار طويل من الأزمات
تعود بداية البرنامج النووي الإيراني إلى عام 1967، عندما تسلمت إيران مفاعل طهران للأبحاث في إطار برنامج أمريكي للاستخدامات السلمية للطاقة الذرية عرف باسم “الذرات من أجل السلام” ولكن الأمور تغيرت جذرياً بعد الثورة الإسلامية عام 1979، عندما اقتحم صلاب إيرانيون السفارة الأمريكية في طهران احتجزوا دبلوماسيين أمريكيين لمدة 444يوماََ لتقطع بذلك الولايات المتحدة علاقتها الدبلوماسية مع إيران.
منء ذلك ألحين مرت المفاوضات بين البلدين بمراحل متعددة، تراوحت بين السرية و العلنية، وبين النجاح و الفشل. ففي عام 1981، تم اول تفاوض مباشر بين البلدين في الجزائر، والذي أفضى إلى الإفراج عن الدبلوماسيين الأمريكيين المحتجزين. ثم توالت الحوار في مناسبات مختلفة، أبرزها المفاوضات السرية في عهد الرئيس باراك أوباما والتي مهدت الطريق للاتفاق النووي التاريخي في عام 2015.
الاتفاق النووي والانهيار
يُعتبر الاتفاق النووي الموقع في 14يوليو 2015 بين إيران ومجموعة 5+1 الولايات المتحدة ، بريطانيا ،فرنسا، روسيا، الصين و المانيا ذروة التعاون الدبلوماسي بين إيران والغرب. نص الإتفاق على تقييد برنامج إيران النووي مقابل رفع العقوبات الاقتصادية لكن هذا الإنجاز الدبلوماسي لم يدم طويلاً ففي مايو 2018 أعلن الرئيس الأمريكي أنذاك دونالد ترامب انساحب بلاده من الإتفاق ووصفه بأنه “أسوأ صفقة على الإطلاق”.
انساحب الولايات المتحدة أعقبتها سياسة الضغط الأقصى التي انتهجتها إدارة ترامب واسفرت عن إعادة فرض عقوبات قاسية على إيران ردت إيران بزيادة تخصيب اليورانيوم تدريجياً حتى وصل إلى مستوى قريب من صنع الأسلحة النووية.
عودة ترامب وجولة جديدة من المفاوضات
مع عودة دونالد ترامب إلى البيت الأبيض في يناير 2025 شهد الملف النووي الايراني تطورات متسارعة ففي مارس 2025 أرسل ترامب رسالة إلى المرشد الإيراني على خامنئي يسعى فيها للتفاوض على اتفاق نووي جديد وبعد شهر وتحديداً في أبريل 2025 أعلن ترامب أن الولايات المتحدة وإيران ستبدأان محادثات مباشرة في سلطنة عمان بينما أكدت إيران أن المحادثات ستكون غير مباشرة.
عُقدت أول جولة محادثات في 12 أبريل 2025 في مسقط وتلتها جولات أخرى في روما وعمان، وصولاً إلى الجولة الخامسة في 23 مايو 2025 والتي وصفها الوسطى العمانيون بأنها أحرزت تقدماََ جزئياً لكنه غير حاسم ثم استؤنفت المحادثات مجدداً في فبراير 2026 في مسقط وجنيف بوساطة عمانية مستمرة.
نقاط الخلاف الاساسية
تكشف جولات المفاوضات المتعددة عن خلافات جوهرية بين الطرفين يصعب تجاوزها من وجهة النظر الأمريكية يريد الرئيس ترامب و فريقه التفاوضي، بقيادة المبعوث الخاص ستيف ويتكوف وصهر الرئيس جاريد كوشنر، اتفاقاً يضمن تصفير التخصيب النووي الإيراني اي عدم السماح لإيران بأي مستوى من تخصيب اليورانيوم كما تسعى الولايات المتحدة إلى توسيع نطاق المفاوضات ليشمل برنامج إيران للصواريخ البالستية ودعمها للجماعات الإقليمية المسلحة.
أما من وجهة النظر الإيرانية، فإن حق تخصيب اليورانيوم يعتبر “أمراََ غير قابل للتفاوض” وفقاً للمرشد الأعلى علي خامنئي تصر إيران على أن المفاوضات يجب أن تقتصر على برنامجها النووي فقط، مع رفض قاطع لمناقشة قدراتها الصاروخية أو نفوذها الإقليمي كما تطالب إيران برفع العقوبات بشكل ملموس ودائم حيث أن تجربة الانسحاب الأمريكي من الإتفاق السابق جعلتها حذرة من الوعود الأمريكية غير القابلة للضمان.
العامل الإسرائيلي والإقليمي
لا يمكن فهم تعقيد المفاوضات الأمريكية الإيرانية منعزل عن الدور الإسرائيلي. إسرائيل تعتبر البرنامج النووي الإيراني تهديداً وجودياََ، وتضغط بقوة على الإدارة الأمريكية لتبني موقفاً متشدداََ رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو يطالب بأن يشمل أي اتفاق مستقبلي تفكيك البرامج الصاروخي الإيراني وانهاء إيران الإقليمي .
وتشير التقارير إلى أن نتنياهو حذر من أن إسرائيل قد تتحرك عسكرياً بمفردها إذا لم يتضمن أي اتفاق قيوداً على برنامج إيران الصاروخي. هذا التهديد يضع الإدارة الأمريكية في موقف صعب، حيث أن أي هجوم إسرائيلي قد يجر الولايات المتحدة إلى حرب إقليمية واسعة.
الحرب و السلام معادلة صعبة
تتجلى مفارقة الموقف الأمريكي في ما وصفة بعض المحللين بأنة استراتيجية “لا الحرب ولا السلام” ففي الوقت الذي تجري فيه المفاوضات، تعزز الولايات المتحدة وجودها العسكري في المنطقة، حيث نشرت حاملتي طائرات وطائرات مقاتلة وقوات إضافية في مياه الخليج.
ويبدو أن الرئيس ترامب يحاول الموازنة بين عدة ضغوط متضاربة: رغبته في تجنب حروب جديدة في الشرق الأوسط وتتعارض مع وعوده الانتخابية، وضغوط الحلفاء في المنطقة وخاصة إسرائيل، وحسابات سياسية داخلية مع اقتراب انتخابات التجديد النصفي.
لكن الخبراء يحذرون من أن خيار الحرب ليس سهلاً او محدوداً كما قد يتصور البعض. فالرد الإيراني المتوقع سيكون واسع النطاق، ويشمل هجمات صاروخية على القواعد الأمريكية، وتفعيل حلفائها في المنطقة، وهجمات سيبرانية، واتهديد الملاحة في مضيق هرمز.
التحديات الداخلية في إيران
تواجه القيادة الإيرانية معادلة داخلية معقدة فالوضع الاقتصادي صعب بسبب العقوبات، وقد شهدت البلاد احتجاجات شعبية في يناير 2026 قوبلت بالقمع. لكن رغم هذه الضغوط يرى المحللون أن التنازل عن البرنامج النووي يشكل تهديداً وجودياََ للنزام الإيراني أكبر من التهديد العسكري. وكما يقول علي رضا واعظ، مدير مشروع إيران في مجموعة الأزمات الدولية بالنسبة لإيران، الخضوع للشروط الأمريكية أخطر من التعرض لضربة عسكرية أخرى.
المستقبل
مع استمرار المفاوضات في فبراير 2026، يبقى السؤال مفتوحاً حول إمكانية تحقيق إختراق دبلوماسي. يرى البعض أن نافذة الفرصة محدودة وأن الحشود العسكرية في المنطقة تخلق زخماً قد يدفع نحو التصعيد بينما يأمل آخرون في إمكانية التواصل إلى حل وسك يسمح لإيران ببرنامج تخصيب محدود تحت رقابة دولية مشددة، مقابل رفع العقوبات.
مايجعل هذه المفاوضات مختلفة عن سابقاتها هو تعقيد السياق الإقليمي، حيث تتشابك الملفات وتتداخل المصالح فحرب غزة مستمرة والصراع مع إسرائيل بلغ مرحلة المواجهة المباشرة و النفوذ الإيراني في المنطقة يمتد من اليمن إلى لبنان وفي هذا السياق، تبدو المفاوضات الحالية وكأنها محاولة لإدارة التصعيد وليس بالضرورة حلاََ نهائياً للخلافات الممتدة منذ أربعة عقود.
تظل المفاوضات الأمريكية الإيرانية نموذجاََ معقد للدبلوماسية في زمن الأزمات إنها قصة تتشابك فيها المصالح الوطنية مع الاعتبارات الأيديولوجية، والحسابات السياسية الداخلية مع الضغوط الإقليمية والدولية. في نهاية المطاف، يبدة أن الطرفين يدركان كلفة الحرب، لكنهما أيضاً غير مستعدين لتقديم تنازلات قد تهدد مكانتهما الداخلية. ربما يكون الحل في اتفاق مؤقت أو تفاهم مرحلي يسمح بتهدئة الأوضاع وبناء الثقة، لكت الطريق إلى ذلك ما زال طويلاً ومحفوفاََ بالعقبات.







