حين ترفض التكنولوجيا ان تموت معنا في غمرة حديث العالم عن الذكاء الاصطناعي، وقدرته على محاكاة البشر، غفل الجميع عن زواية شديدة الحساسية والألم.
الكيانات الرقمية التي تظل عالقة في برزخ التكنولوجيا بعد رحيل أصحابها. نحن لانتحدث هنا عن إدارة الحسابات بعد الوفاة، بل عن الطريقة التي ترفض بها الخوارزميات الاعتراف بالموت، وكيف تحول رحيل الأحبة إلى ” ندبة رقمية ” لا تلتئم.
الفخ الخوارزمي:
تخيل انك فقدت شخصاً عزيزاً، وبينما تحاول جاهداً المضي قدماً يأتيك إشعار من تطبيق صور يخبرك “هل تتذكر هذا اليوم قبل ثلاث سنوات؟” لتظهر لك صورة الشخص الراحل يبتسم او يأتيك اقتراح “صداقة” مع شخص توفى منذ عقد، لان الخوارزمية رصدت اهتمامات مشتركة.
هذا مايمكن تسميته “العبث الرقمي القسري” الخوارزمياث مصممة لتحفيز التفاعل، وهي لا تملك بوصلة اخلاقية او وعياً بالموت بالنسبة لها، هذا المستخدم هو مجرد بيانات خاملة تحتاج إلى تنشيط. هذا التذكير المستمر يكسر دورة الحداد الطبيعي التي عرفها البشر من الأزل، حيث كان الغياب جسدياً وبصرياً، اما اليوم، فالغائب حاضر بقوة “البيانات”.
الحزن في غرفة الدردشة المهجورة:
ثمة ظاهرة موثرة لم يسلط الضوء عليها، وهي “المحادثات احادية الجانب” هناك آلاف البشر اليوم يرسلون رسائل يومية لحسابات أشخاص رحلوا، يستخدمون “صندوق الرسائل” في فيسبوك او واتساب كصندوق بريد اليهم. يكتبون عن تفاصيل يومهم، عن شوقهم، وعن خيباتهم، مدركين تماماً ان “العلامتين الزرقاوين” لن تظهرا ابداً.
هذا المنصات تحولت، دون قصد من مصمميها إلى ” مقابر تفاعلية” لكنها مقابر بلا صمت. فهي تضج بالإعلانات، وتحديثات التطبيقات، واقتراحات المجموعات، مما يخلق تضارباً شعورياً حاداً بين قدسية الموت وضجيج الاستهلاك الرقمي.
الحاجة إلى “حق النسيان”
لم يتحدث احد عن ضرورة وجود “هندسة للمواساة” في التكنولوجيا. نحن بحاجة إلى أنظمة تفهم الإنسان، وان الفقد يتطلب مساحة من السكون الرقمي. ان استمرار الخوارزميات في التعامل مع الموتى كارقام نشطة هو انتهاك لخصوصية الحزن البشري اننا نعيش في عصر اصبح فيه النسيان رفاهية لاتمنحها لنا الهواتف الذكية. لقد اصبحنا “مخلدين” رغماً عنا في خوادم سحابية باردة، بينما تظل قلوب الأحياء معلقة بين شاشة تضيء بذكريات الماضي، وواقع يرفض ان يكتمل فيه الغياب.



احدث التعليقات