الرئيسيةتاريخ"السيدة الحرة" التي صاغت مجد اليمن لنصف قرن.

“السيدة الحرة” التي صاغت مجد اليمن لنصف قرن.

“الملكة أروى الصليحي”

ـ أسطورة تتجاوز الزمن:

في قلب التاريخ العربي والإسلامي، تبرز أسماء نساء غيرن مجرى الأحداث، ولكن قليلات هنَّ من استطعن الجمع بين الدهاء السياسي، والتقوى الدينية، والنهضة العمرانية كما فعلت أروى بنت أحمد الصليحي، لم تكن “السيدة الحرة”، و “أميرة المؤمنين”، مُجرد زوجة ملك أو واجهة لعرش، بل كانت القائد الفعلي والمحرك الأساسي للدولة الصليحية في اليمن لمدة خمسة عقود، مما جعلها تستحق لقب “بلقيس الصغرى” بجدارة واقتدار، في زمنٍ كان فيه الحكم حكراً على الرجال، بَرَزَت من جبال اليمن الشاهقة إمرأة لم تكتفِ بالجلوس على العرش، بل أعادت صياغة مفهوم “الدولة”.

ـ تكوين الشخصية القيادية:

ولدت أروى في حصن “مسار” بجبال حراز عام 440 هـ، ونشأت في كنف الملك علي بن محمد الصليحي وزوجته القوية الملكة أسماء بنت شهاب، هذا المناخ لم يكن تقليدياً، فقد كانت الملكة أسماء مدرسة في القيادة، حيث كانت تشارك في إجتماعات الدولة وتجلس بجانب الملك، مما صقل شخصية أروى الشابة، تلقت أروى تعليماً رفيعاً شمل القرآن الكريم، والآداب، والتاريخ، والسياسة، فاجتمع لها جمال المظهر مع حدة الذكاء وسعة الثقافة.

ـ الانتقال إلى “جبلة”:

بعد وفاة الملك علي بن محمد، وتولي زوجها “المُكرم” الحكم، بدأت ملامح قيادتها تظهر بوضوح، خاصة مع تراجع صحة زوجها، كان قرارها بنقل عاصمة الدولة من صنعاء إلى “جبلة” في محافظة إب الحالية قراراً استراتيجياً عبقرياً، لم يكن النقل للراحة، بل لأن جبلة كانت تتوسط المناطق الزراعية الخصبة، مما سمح لها بالإشراف المباشر على موارد الدولة الاقتصادية وتأمين الغذاء للشعب في زمن الاضطرابات، تحولت “جبلة” في عهدها من مجرد قرية صغيرة إلى مدينة تنافس حواضر العالم الإسلامي، حيث بُنيت فيها القصور الشاهقة مثل “قصر دار العز”، والمساجد التي لا تزال منارات للعلم حتى اليوم،

ـ ثورة التنمية والإصلاح:

لم يكن حُكم الملكة أروى حُكماً عسكرياً، بل كان حُكماً تنموياً، ويمكن تلخيص أعظم إنجازاتها في النقاط التالية:

ـ تمكين التعليم: أنشأت المدارس في مختلف بِقاع اليمن، وكانت تُخصص الأوقاف لضمان إستمرار تعليم الفقراء والنابغين.

ـ البنية التحتية: شَقت طريق “السيدة الوعرة” التي ربطت بين المدن الجبلية، وبَنت القناطر المائية والمستشفيات، وسُبل المياه لعابرين السبيل.

الإدارة والقضاء: أسست نظاماً قضائياً يتسم بالعدل والمساواة، وكانت تَفصل في المظالم بنفسِها، مما أكسَبها شعبيةً هائلة جَعلت الناس يدعون لها في الخُطب والمنابر.

الإستقلال السياسي: رُغم تَبعية الدولة الصليحية للدولة الفاطمية إسمياً، إلا أن أروى استطاعت الحفاظ على إستقلالية القرار اليمني، وكانت تُدير علاقات خارجية مُعقدة مع الهند ومصر والحِجاز بذكاء منقطع النظير.

ـ الثبات في وِجه العواصف:
واجهت الملكة أروى تحديات جسيمة، من تمردات داخلية قادها زُعماء القبائل، إلى محاولات للإنقلاب على حكمها لِكَونِها إمرأة، ومع ذلك أثبتت حِنكة عسكرية في إدارة المعارك، وقدرة دبلوماسية في إخماد الفتن عبر المصاهرات والتحالفات الحكيمة، ظل حكمها صامداً لمدة خمسين عاماً، وهي فترة إستقرار نادرة في تاريخ اليمن القديم والوسيط.

ـ الإرث الذي لا يموت:

تُوفيت الملكة أروى عام 532 هـ، ودُفِنت في جامعها الشهير بجِبلة، تاركةً ورائها وطناً مُزدَهراً وذكرى لا تُمحى، إن قصة الملكة أروى ليست مجرد سرد تاريخي، بل هي رسالة لكل امرأة يمنية وعربية بأن القيادة ليست حكراً على جنس، بل هي نتاج العلم، والإخلاص، والرؤية الثاقبة،
اليوم وبينما يَمر اليمن بظروف قاسية، تظل ذكرى “السيدة الحرة” مَنارة للأمل، تذكر الجميع بأن هذا التراب أنجب يوماً أعظم مَلِكات الأرض، وأنه قادر على إنجاب العظماء مجدداً.

مقالات ذات صلة
- Advertisment -
Google search engine

الأكثر شهرة

احدث التعليقات