منصة/ 369
حين نتحدث عن استبداد العامل اليمني في بلاد الغربة، فنحن لا نتحدث عن مجرد “أيد عاملة” تبحث عن لقمة العيش، بل نتحدث عن حكاية وجع مغلفة بالصمت، وقصص كفاح يمتزج فيها عرق الجبين بدموع الحنين. إنها ماساة “الإنسان” الذي وجد نفسه مضطراً لبيع أغلى سنوات عمره في أسواق الغربة، ليشتري بها حياة كريمة لأهل تركهم خلفه في وطن لم يعد يتسع لأحلامهم.
المتأمل في حال العامل اليمني في الخارج يرى بوضوح تلك القسوة التي تفرضها الظروف، فهو يواجه احياناً استبداداً لايتمثل فقط في ظلم صاحب عمل او تعسف قوانين، بل في استبداد الغربة نفسها. هذا الشعور الخانق بانه مجرد رقم في معادلة الإنتاج، كائن يُطلب منه ان يعطي كل شيء ولا يحق له ان يطلب شيئاً سوى الفتات. يصحو اليمني في الغربة قبل طلوع الشمس ، يحمل على أكتافه هموم بلاده الممزقة، ويسير في شوارع مدن لاتشبهه، يبتسم في وجه العابرين وقلبه يقطر دماً على أم شاخت في انتظاره، او زوجة صار يراها عبر شاشات الهاتف الباردة.
هناك نوع من الاستبداد المعنوي يمارس ضد هذا العامل. عندما يُجبر على القبول بادنى الأجور وأشق الأعمال لانه “مضطر” ولأن البديل هو العودة إلى وطن ينهشه الفقر وتطحنه الصراعات. هنا يصبح العمل نوعاً من السجن الاختياري، حيث يمر العمر وهو يرمم بيوتاً لن يسكنها، ويشق طرقاً لن يمشي فيها. هو يبني مدن الآخرين، بينما ينهار بيت أحلامه يوماً بعد يوم.
الأمر الأكثر إيلاماً هو ذلك النكران الذي يجده احياناً
فاليمني الذي عُرف عبر التاريخ بالنزاهة والصبر والجلد، يجد نفسه احياناً محاصراً بنظرات الريبة او القوانين التي تضيق عليه الخناق، وكانّه غريب في ارض الله الواسعة. يبتلع غصته، ويمسح عرق جبينه، ويواصل العمل بصمت، ليس ضعفاً، بل لان خلفه افواهاً تنتظر الخبز، عيوناََ تنتظر الأمل. ان استبداد الغربة يسرق من اليمني هويته على جزء جزء.
فيصبح جسداً في الخارج و روحاً معلقة على سواحل عدن او جبال صنعاء. يعيش في حالة من الانتظار الأبدي ليوم العودة الذي قد يتاخر لسنوات وعقود، حتى يكتشف في النهاية انه قضى عمره يمهد الطريق للآخرين، بينما نسي ان يعيش هو حياته.
هذا العامل هو البطل الحقيقي المنسي، الذي لولاه لأنهارت آلاف الأسر، هو الجندي المجهول الذي يخوض معركة البقاء في برود الغربة وحرارة التعب، محتفظاً بكرامته و كبريائه رغم كل الظروف الجائرة التي تحاول كسر ظهره.



احدث التعليقات